كان في ميناء الإسكندرية يحمل البضائع وينقلها لقاء بعض الجنيهات. حلم أن يمتلك قاربا صغيرا , فامتلك سفنا و بواخر ويخوث , بنا مدنا وهز عروش وسعى لامتلاك السلطة. مات ابنه الأكبر واختلف أولاده الآخرين وعاش حياته حزينا. محمد الفايد إمبراطور بلا عرش.
محمد عبد المنعم الفايد ولد عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثلاثين بمنطقة رأس التين في حي الأنف بالإسكندرية. والده كان يعمل مدرسا للغة العربية ووالدته ربة منزل. ينحدر الفايد من أسرة بسيطة أقرب للفقراء منها للأسر المتوسطة، ما فرض على ابنهم محمد أن يعمل مبكرا، كما كثير من شباب الإسكندرية ، في العتالة ونقل البضائع، ومن على ميناء مدينته بدأت قصة أحلامه. وهناك أيضا يعتقد أن التغيير حصل في حياته، فالمصادر تختلف حول ما حصل مع محمد الفايد في تلك الفترة، حيث يقال إنه تعرف بعائلة سمير خاشقجي المواطنة السعودية وشقيقة تاجر السلاح المعروف عدنان خاشقجي، حيث كانت متزوجة في تلك الفترة من الكاتب الصحفي مصطفى أمين، وأمين هو من أمن للفايد عقد عمل في السعودية من خلاله تمكن من التجارة بقطاع ماكينات الخياطة، ما ساعده على تكوين أول رأس مال في حياته. وما يؤكد هذه الرواية هو زواجه من سميرة خاشقجي عام ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين بعد طلاقها مباشرة من زوجها الأول، ليكون هذا الزواج بمثابة الخطوة الثانية في رحلة الفتى الذي بدأ حياته في العتالة لاحقا.
انضم الفايد إلى عدنان خاشقجي والمتهم بكونه أحد أكبر تجار السلاح في العالم، فكانت هذه خطوته الثالثة نحو عالم الأثرية ليعمل في مصر على تأسيس شركة لنقل البضائع والشحن، كما استفاد من علاقته بآل خاشقجي. وتعرف على سلطان بروناي وأصبح مديرا وواجهة لأموال السلطان واستثماراته، ما دفع كثيرين للاعتقاد أن محمد الفايد يمتلك قدرة عالية على الإقناع. فالشاب الفقير أقنع شقيقة أحد الأثرياء بالزواج منه، ثم أقنع تاجر سلاح بالعمل معه وأقنع سلطانا بالتوكل باستثماراته. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فالرجل الصاعد بقوة لعالم المال والأعمال تقدم بفكرة إنشاء مرسى للسفن في دبي بعد استقلال الإمارة. وحين كانت ما تزال تتلمس طريقها للنهضة، ما سمح بتحويل مدينة دبي لوجهة للرحلات التجارية البحرية، كما تمكن من إقناع أصحاب شركات البترول بالقدوم إلى دبي والبحث عن النفط فيها بطلب من الشيخ راشد آل مكتوم، وهو ما ساهم بـ تقرب الفايد من الأسرة الحاكمة في دبي، كما ساهم أيضا في زيادة ثروته. لينطلق بعدها الفايد إلى عالم آخر بعيدا عن المنطقة العربية. فالرجل كان يفضل الاستثمار والعمل والحياة في أوروبا، فكانت لندن وجهة رجل الأعمال الجديد لينضم في بريطانيا عام ألف وتسعمئة وخمسة وسبعين إلى مجلس إدارة شركة ليوناردو التي تعمل في الاستثمار والتعمير في أفريقيا ليتركها بعد تسعة شهور إثر خلافات مع شركائه، وليبدأ رحلته الخاصة في الاستثمار، حيث اشترى فندق دو شوستر في بريطانيا ثم فندق الريتز الشهير في فرنسا أواخر السبعينات.
ولكن النقلة النوعية كانت حين اشترى قصر دوق ويندسور في باريس، وأرسل قائمة بمحتوياته من التحف إلى الملكة إليزابيث لتختار منها ما تشاء من باب التقرب إلى الأسرة الحاكمة البريطانية، ليتمكن بعدها من تثبيت اسمه كرجل أعمال قوي في بريطانيا، وذلك في صفقته الأشهر منتصف الثمانينيات، حين اشترى شركة هاوس أوف رايز المالكة لمحلات هارولد الشهيرة، والتي كانت الملكة إليزابيث تشتري ملابسها ولوازم القصر منها. صعود الفايد الصاروخي في بريطانيا خلق له أعداء كثر من رجال الأعمال المنافسين وحتى رجال السياسة. ففي منتصف التسعينيات تدخل رئيس الوزراء البريطاني آنذاك جون ميجور لوقف شراء الفايد صحيفة توداي البريطانية لتذهب ملكيتها إلى اليهودي مردوخ، كما شنت صحف مردوخ ورجل أعمال آخر يدعى رونالد هجوما على الفايد. وصعد خلاف آخر هز سمعة الفايد، وهذه المرة مع رجل الأعمال المصري أشرف مروان، وخرجت أخبار عن كون الرجلين ضالعين بتجارة السلاح، حتى أنه حين قتل أشرف مروان عام ألفين وسبعة، حققت السلطات البريطانية مع محمد الفايد بتهمة الاشتباه بالتورط بقتل مروان. وقبل هذا التاريخ بعشرة أعوام، أي في عام ألف وتسعمئة وسبعة وتسعين، حققت السلطات الإنجليزية مع أشرف مروان بحادثة قتل دودي الفايد نجل محمد الفايد. وهي الحادثة التي هزت العالم كله، حيث توفي دودي رفقة الأميرة ديانا في انقلاب سيارتهم في باريس.
وكانت الأقاويل تدور حينها حول علاقة عاطفية جمعت بين الأميرة ونجل الملياردير المصري. وعلى إثر هذا الحادث، قام الفايد الأب برفع عدة قضايا اتهم بها العائلة المالكة البريطانية بالوقوف وراء الحادث، كما اتهم الاستخبارات الفرنسية بالتنسيق مع العائلة البريطانية. واتهم أيضا جهات أخرى منها الموساد الإسرائيلي بالوقوف خلف مقتل ابنه الأكبر. فقد كانت الحادثة أكبر صدمة في حياة الأب الذي تزوج مرتان في حياته. فبعد سميرة خاشقجي، والدة دودي، تزوج الفايد من سيدة فنلندية تدعى هين ورفي عام ألف وتسعمئة وخمسة وثمانين. وله منها أربعة أبناء هم عمر وأحمد وكاميليا وياسمين. واللافت أن محمد الفايد رغم حزنه لم يتوقف عن العمل، فقد امتلك في نفس العام الذي قتل به ابنه نادي فولهام الإنجليزي. ليدخل الفايد الألفية الجديدة، وهو ضمن قائمة أغنى رجال الأعمال العرب. لكن ذلك لم يوقف الهجوم عليه، فبريطانيا رفضت طلبه بالحصول على جنسية بريطانية بالرغم من امتلاك أبنائه لها، وذلك بدعوى الشكوك بمصدر ثروته، ما دفعه للاستقرار في سويسرا عام ألفين واثنين. كما يحمل هو وعائلته إقامة دائمة في إمارة موناكو الفرنسية ليأتي العام ألفين وأربعة. ويزور الفايد مسقط رأسه مصر لتستقبله السلطات المصرية آنذاك بحفاوة على أمل العودة والاستثمار في بلاده، لكنه سرعان ما غادر البلاد ليأتي العام ألفين وستة حاملا أخبارا تفيد أن الرجل لا يرغب بالعودة لمصر حتى بعد موته، فقد ترك وصية تفيد بتحنيط جثته بعد وفاته وتعليقها على مدخل متجره الشهير هارودز، وذلك قبل أن يبيعه لقطر في صفقة ضخمة عام ألفين وعشرة مكنته من البقاء في نادي الأثرياء ليخرج في الإعلام المصري لأول مرة، ويقول إنه سيعود لمصر لكن بعد وفاته.
في عام ألفين وثلاثة عشر. صنف الفايد كساب أغنى رجل مصري وعام ألفين وستة عشر صعد للمرتبة الرابعة بثروة قاربت ملياري دولار، وما زال ضمن قائمة الأغنى في مصر والعالم العربي. وبالإضافة إلى ما يمتلكه من أموال، فالرجل يمتلك أربع طائرات خاصة هو يخت يقارب ثمنه أربعون مليون دولار وقصور في بريطانيا وفرنسا وسويسرا تقدر بملايين الدولارات. كما امتلك العام ألفين وتسعة أيضا أغلى حذاء نسائي في العالم مرصع بالألماس يصل ثمنه لمليوني دولار. كل ذلك لم ينسي الفايد انتقامه لمقتل إبنه. فخرجت أخبار عام ألفين وثمانية عشر أن الرجل دعم انفصال اسكتلندا عن بريطانيا وعن كونه كان ينوي الترشح لرئاستها. لكن الاستفتاء الذي أجري أعاق خططه حيث صوت الاسكتلنديون لبقائهم متحدين ضمن المملكة المتحدة. أما عن بقية أبنائه فقد نشب خلاف بين ابنته كاميليا وشقيقها عمر وصل حد التقاضي أمام المحاكم، ليكون الحزن هو العنوان الأبرز لحياة الفايد الشخصية. الرجل الذي تحول الإمبراطور في عالم المال والأعمال ومالك للاستثمار، لكن دون عرش يجلس عليه بقية حياته كما كان يطمح دائما. فالملياردير المصري حقق كل شيء، وامتلك كل شيء ما عدا السلطة.

تعليقات
إرسال تعليق